عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
355
اللباب في علوم الكتاب
ثانيها : لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون إلّا قتل أنفسكم ، فإنّ قتل الإنسان نفسه لا يحلّ ، وإنما يجب الاقتحام إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل ، فأمّا إذا كان آيسا من النّكاية ، وكان الأغلب أنّه مقتول ، فليس له الإقدام عليه ، وهذا منقول عن البراء ابن عازب « 1 » ، ونقل عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - أنّه قال في هذا : هو رجل يتنقّل بين الصفين « 2 » . وطعن بعضهم في هذا التّأويل ؛ وقال : هذا القتل غير محرم ، واحتجّ بأحاديث : الأول : روي أنّ رجلا من المهاجرين حمل على صفّ العدوّ ؛ فصاح به الناس ؛ فألقى بيده إلى التّهلكة ؛ فقال أبو أيّوب الأنصاريّ : نحن أعلم بهذه الآية الكريمة ، وإنما نزلت فينا : صحبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنصرناه وشهدنا المشاهد ، فلما قوي الإسلام ؛ وكثر أهله ؛ رجعنا إلى أهالينا ، وأموالنا ، ومصالحنا ؛ فنزلت الآية ، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل ، والمال ، وترك الجهاد « 3 » . فما زال أبو أيوب مجاهدا في سبيل اللّه ؛ حتّى كان آخر غزاة غزاها بقسطنطينيّة في زمن معاوية ، فتوفّي هنالك ، ودفن في أصل سور القسطنطينية ، وهم يستسقون به « 4 » . وروي أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذكر الجنّة ؛ فقال له رجل من الأنصار : أرأيت يا رسول اللّه ، إن قتلت صابرا محتسبا ؟ فقال - عليه الصّلاة والسّلام - لك الجنة ؛ فانغمس في العدوّ ؛ فقتلوه بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وأنّ رجلا من الأنصار ألقى درعا كان عليه ، حين ذكر رسول اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليه دائما أبدا - الجنة . وروي أنّ رجلا من الأنصار تخلّف عن بني معاوية ، فرأى الطير عكوفا على من قتل من أصحابه ؛ فقال لبعض من معه : سأتقدم إلى العدوّ ؛ فيقتلونني ، ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي ، ففعل ذلك ؛ فذكروا ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم فقال فيه قولا حسنا « 5 » . وروي أنّ قوما حاصروا حصنا ؛ فقاتل رجل حتى قتل ؛ فقيل : ألقى بيده إلى
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 117 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 117 . ( 3 ) أخرجه أبو داود ( 2512 ) والترمذي ( 4 / 72 - 73 ) والحاكم ( 2 / 275 ) والطيالسي في « مسنده » ( 599 ) والطبري في « تفسيره » ( 3 / 591 - 592 ) وقال الترمذي : حديث حسن صحيح غريب . وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3741 - 375 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والطبراني وأبي يعلى . ( 4 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 164 - 165 . ( 5 ) انظر : « التفسير الكبير » للفخر الرازي ( 5 / 117 ) .